قرارات حكومية غير مسبوقة،نزوح متصاعد،وخسائر بشرية في ظل تصعيد عسكري متسارع
يعيش لبنان مرحلة بالغة التعقيد مع تصاعد المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل،في وقت تحاول فيه الحكومة اللبنانية احتواء التداعيات السياسية والأمنية عبر سلسلة قرارات تهدف إلى تعزيز سيادة الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الرسمية.
فالتطورات الميدانية المتسارعة تضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ مزدوج: التعامل مع الضغوط العسكرية المتزايدة من جهة، وإدارة تداعيات إنسانية وسياسية واقتصادية متفاقمة من جهة أخرى. وبين هذه المعادلات المعقدة، يجد المواطن اللبناني نفسه مرة أخرى في قلب أزمة تتجاوز قدرته على الاحتمال.
قرارات حكومية لتعزيز سيادة الدولة
في خطوة تعكس توجهاً حكومياً لإعادة ضبط المشهد الأمني داخل البلاد،أعلن بول مرقص أن الحكومة اللبنانية أوصت بمنع أي نشاط محتمل لـ الحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية.
وأكد مرقص أن السلطات اللبنانية ستقوم باعتقال أي عنصر من الحرس الثوري الإيراني في حال ثبوت وجوده داخل لبنان، في إشارة واضحة إلى رغبة الحكومة في منع أي نشاط عسكري أو أمني غير خاضع لسلطة الدولة.
كما قررت الحكومة إعادة العمل بقرار إلزام المواطنين الإيرانيين بالحصول على تأشيرة دخول مسبقة إلى لبنان،وهو إجراء يعكس تشدداً متزايداً في التعامل مع الوجود الإيراني في البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
وتؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات تأتي ضمن مسار أوسع يهدف إلى تعزيز سيادة الدولة اللبنانية،ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لصراعات إقليمية قد تجر البلاد إلى مواجهات عسكرية واسعة.
تحرك رسمي لحظر الأنشطة العسكرية للحزب
بالتوازي مع تلك الإجراءات أعلن وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي أن الحكومة عازمة على حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ حزب الله داخل لبنان.
ويعد هذا الموقف من أكثر التصريحات وضوحاً في ما يتعلق بمحاولة إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية والحزب،خصوصاً في ظل الضغوط الداخلية والخارجية التي تتعرض لها الحكومة بسبب استمرار التصعيد العسكري.
وأكدت الحكومة اللبنانية أن هذه القرارات تأتي في إطار تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح وقرار الحرب بيد المؤسسات الرسمية، إضافة إلى تثبيت الاستقرار الداخلي وتجنب انزلاق البلاد إلى مواجهات جديدة قد تكون لها تداعيات كارثية على لبنان.
كما شددت السلطات على التزام لبنان بالشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة،في محاولة لإعادة ترميم علاقات البلاد مع المجتمع الدولي والحفاظ على ما تبقى من الاستقرار السياسي والاقتصادي.
مطالبات بملاحقة قيادات الحزب
بالتزامن مع التحركات الحكومية،تصاعدت في الداخل اللبناني مطالبات بمحاسبة قيادات الحزب على خلفية التصعيد العسكري الجاري.
فقد دعا عدد من الإعلاميين والنشطاء اللبنانيين السلطات إلى إصدار مذكرة توقيف بحق نعيم قاسم،معتبرين أن استمرار التصعيد العسكري يضع لبنان أمام مخاطر كبيرة ويدفع المدنيين إلى دفع ثمن صراع لا تتحكم به مؤسسات الدولة.
وتعكس هذه المطالب حالة الانقسام العميق داخل المجتمع اللبناني حول دور حزب الله وسلاحه،وهي قضية لطالما شكلت محوراً أساسياً للجدل السياسي في البلاد.
نزوح عشرات الآلاف من اللبنانيين
على الأرض، تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تزايد أعداد النازحين نتيجة القصف المتواصل والتحذيرات العسكرية.
وبحسب إحصائيات حكومية لبنانية، فقد نزح أكثر من 83 ألفاً و800 شخص من منازلهم خلال الأيام الأخيرة، بعد تصاعد العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت.
وتظهر المشاهد المتداولة آلاف العائلات اللبنانية وهي تفترش الطرقات والأرصفة بعد إنذارات إسرائيلية بالإخلاء شملت عشرات القرى في الجنوب وعدداً من أحياء الضاحية الجنوبية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة، في ظل محدودية إمكانات الدولة اللبنانية للتعامل مع موجات نزوح واسعة في وقت يعاني فيه لبنان أساساً من أزمة اقتصادية حادة منذ سنوات.
ارتفاع حصيلة الضحايا
بالتوازي مع أزمة النزوح، تتواصل الخسائر البشرية نتيجة التصعيد العسكري.
فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن أكثر من 120 شخصاً قتلوا منذ بدء التصعيد بين حزب الله وإسرائيل مطلع الأسبوع الجاري، فيما أصيب مئات آخرون بجروح متفاوتة.
ويخشى مراقبون من أن ترتفع هذه الحصيلة بشكل أكبر في حال استمرار القصف والغارات الجوية،خصوصاً في المناطق المكتظة بالسكان.
كما يشير خبراء إلى أن أي توسع في العمليات العسكرية قد يؤدي إلى خسائر بشرية أكبر ويزيد من حجم الكارثة الإنسانية في البلاد.
تصعيد عسكري متسارع
يأتي ذلك في ظل تصعيد عسكري كبير،حيث كثف الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وعلى عدد من القرى في جنوب لبنان.
وترافق القصف مع عمليات عسكرية برية في بعض المناطق الحدودية،ما يزيد من احتمالات توسع المواجهة وتحولها إلى حرب أوسع قد تشمل مناطق أخرى من لبنان.
كما أطلق الجيش الإسرائيلي إنذارات بالإخلاء لعشرات القرى في الجنوب اللبناني بالإضافة إلى عدة أحياء في الضاحية الجنوبية، وهو ما أدى إلى موجة نزوح كبيرة بين السكان المدنيين.
انسحاب مستشاري “فيلق القدس”
في تطور آخر يعكس حساسية الوضع الإقليمي، كشف تقرير لموقع أكسيوس أن عدداً من الضباط التابعين لـ فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، غادروا بيروت خلال الأيام الماضية.
وبحسب التقرير، كان هؤلاء الضباط يعملون كمستشارين عسكريين لدى حزب الله،وقد غادروا لبنان بعد تحذيرات إسرائيلية من احتمال استهدافهم.
ويشير هذا التطور إلى تصاعد المخاوف من تحول لبنان إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران،وهو سيناريو قد تكون له تداعيات خطيرة على الاستقرار في المنطقة.
اللبنانيون بين الحرب والقرارات السياسية
في خضم هذه التطورات المتلاحقة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع معقد يجمع بين تداعيات الحرب وضغوط القرارات السياسية والأمنية.
فبين النزوح الواسع، وارتفاع أعداد الضحايا، والقرارات الحكومية الهادفة إلى إعادة ضبط المشهد الأمني، يبدو لبنان أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم ملامح توازناته الداخلية.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، يبقى المواطن اللبناني الحلقة الأضعف في معادلة تتشابك فيها الصراعات الإقليمية مع الأزمات الداخلية، بينما يستمر السؤال المطروح داخل لبنان: إلى متى سيدفع الشعب ثمن صراعات تتجاوز حدود الدولة وإمكاناتها؟