تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تحولات عميقة عقب إندلاع المواجهات الأخيرة والتي تعتبر حربا واسعة النطاق وطويلة الأمد، بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين كإحداث متسارعة لم تشهد مثلها المنطقة منذ عشرات السنين،بينما كانت طهران لسنوات طويلة تعتمد على شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدد من الدول العربية لتعزيز نفوذها الاستراتيجي.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه الشبكة باتت تواجه ضغوطا غير مسبوقة،حيث يرى مراقبون أن بعض تحركات هذه الجماعات خاصة في ظل التصعيد العسكري الأخير وفرت مبررات قوية للولايات المتحدة وإسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية، كما انها منحت حكومات وقوى محلية في عدة دول فرصة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي وتقليص نفوذ تلك الأذرع المسلحة وأصدار قرارات كان من الصعب اتخاذها خلال مرحلة السلم في الفترات السابقة.
بناء منظومة نفوذ إقليمية واسعة
على مدى عقود، سعت إيران إلى بناء منظومة نفوذ إقليمية واسعة اعتمدت على شبكة من الحلفاء السياسيين والجماعات المسلحة في عدد من الدول العربية،هذا النموذج منح طهران قدرة على التأثير في ملفات أمنية وسياسية تتجاوز حدودها الجغرافية، وجعلها لاعباً محورياً في العديد من أزمات الشرق الأوسط،لكن التطورات الإقليمية المتسارعة في السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد المواجهات العسكرية والضغوط الدولية،وضعت هذا النموذج أمام اختبار حقيقي،فبعض الأذرع التي اعتمدت عليها إيران لتعزيز نفوذها أصبحت اليوم تواجه تحديات عسكرية وسياسية متزايدة،كما أن تحركاتها العسكرية في بعض الساحات أثارت نقاشات داخلية في الدول التي تنشط فيها حول مسألة السيادة الوطنية واحتكار الدولة للسلاح.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تتقاطع عدة مسارات سياسية وعسكرية قد تعيد رسم ملامح النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
إيران: صورة القوة الإقليمية تحت الاختبارالذي فشل مبكرا
لطالما قدمت إيران نفسها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في مسار الأحداث في عدة دول في آن واحد، عبر شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة المنتشرة في المنطقة،وقد سمح هذا النموذج لطهران ببناء نفوذ سياسي وعسكري دون الانخراط في مواجهات تقليدية واسعة مع خصومها.
غير أن المرحلة الحالية تبدو مختلفة إلى حد كبير،فمع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية، أصبحت هذه الشبكة تواجه تحديات متزامنة في عدة ساحات، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى قدرة إيران على الحفاظ على مستوى النفوذ ذاته في المدى البعيد.
ويرى عدد من المراقبين أن ما يجري حالياً يشكل اختباراً مبكراً لفاعلية هذا النموذج، حيث تتعرض بعض مواقع النفوذ الإيرانية لضربات عسكرية أو ضغوط سياسية، في وقت تواجه فيه طهران أيضاً تحديات اقتصادية داخلية معقدة،وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن قدرة إيران على الحفاظ على شبكة نفوذها الإقليمية ستعتمد إلى حد كبير على قدرتها على التكيف مع التحولات الجديدة في موازين القوى.
لبنان: مغامرات حزب الله وتغير المعادلة الداخليةوحظر انشطة الحزب العسكرية
في لبنان، يشكل حزب الله أحد أبرز أعمدة النفوذ الإيراني في المنطقة،فمنذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي،نجح الحزب في بناء قوة عسكرية وسياسية كبيرة جعلته لاعباً رئيسياً في المعادلة اللبنانية،لكن التطورات الأخيرة فتحت نقاشا داخليا متجدداً حول دور الحزب وسلاحه،خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية وانعكاساتها على الساحة اللبنانية.
ويرى محللون أن انخراط الحزب في مواجهات عسكرية إقليمية منح خصومه مبررات لتكثيف الضربات العسكرية التي تستهدف بنيته العسكرية، خصوصاً من قبل الجيش الإسرائيلي،كما أن هذا التصعيد أدى إلى زيادة الضغوط السياسية الداخلية المطالبة بإعادة النظر في مسألة السلاح خارج إطار الدولة.
وفي هذا السياق، تبرز مواقف الحكومة اللبنانية بقيادة نواف سلام التي تواجه ضغوطاً متزايدة من بعض القوى السياسية والمدنية لبحث ملف حصر القرار العسكري بيد الدولة، بما في ذلك النقاش حول مستقبل الأنشطة العسكرية للحزب داخل البلاد،واتخاذ خطوات حازمة للحد من النفوذ الإيراني وحزب الله، حيث واصلت الحكومة اللبنانية اليوم فرض سيطرتها على الوضع الأمني والسياسي الداخلي، مؤكدة أن قرار الحرب أو أي عمل عسكري يبقى حصراً بيد الحكومة جاء ذلك في تصريحات خطيرة لوزير الإعلام بول مرقص،والذي ا ضاف في تصريحاته إعلان الدولة اللبنانية إجراءات صارمة تشمل إعادة العمل بوجوب حصول الإيرانيين على تأشيرة دخول لبنان،ومنع أي نشاط محتمل للحرس الثوري الإيراني داخل البلاد.
كما أكدت الدولة على اعتقال أي عضو من الحرس الثوري موجود على الأراضي اللبنانية، في حين تم ضبط أسلحة بحوزة أفراد يعتقد بانتمائهم لحزب الله.
وقد طالب إعلاميون ونشطاء لبنانيون الدولة بإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين بارزين في الحزب،من بينهم نائب الأمين العام نعيم قاسم،في إطار تعزيز هيبة الدولة وفرض القانون على جميع الأطراف.
ويرى بعض المراقبين أن هذه التطورات قد تمثل بداية تحول في المعادلة السياسية اللبنانية إذا ما استمرت الضغوط الداخلية والخارجية على الحزب في المرحلة المقبلة.
العراق: الميليشيات بين النفوذ السياسي والعسكري وضعف الدولة
في العراق، تشكّلت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ويبرز الحشد الشعبي كأحد أبرز الأطر التي تضم عدداً كبيراً من هذه الجماعات.
وقد لعبت هذه الفصائل دوراً مهماً في مواجهة تنظيمات متطرفة خلال مرحلة معينة، إلا أنها تحولت لاحقاً إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة داخل المشهد العراقي، الأمر الذي خلق معادلة معقدة بين الدولة وهذه الجماعات،ومع تصاعد التوترات الإقليمية، أصبحت بعض هذه الفصائل جزءاً من المواجهة الأوسع بين إيران وخصومها،وهو ما يثير مخاوف من أن يتحول العراق إلى ساحة صراع غير مباشر بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي الداخل، تتزايد مطالب القوى المدنية العراقية بضرورة إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة،خصوصا مع استمرار النقاش حول ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد الإقليمي قد يدفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ خطوات تدريجية لإعادة تنظيم دور هذه الفصائل ضمن إطار الدولة، في محاولة للحفاظ على استقرار البلاد ومنع انزلاقها إلى صراعات إقليمية أوسع.
اليمن: الحسابات المعقدة في ظل التصعيد الإقليمي والضربة القادمة مؤكدة
في اليمن، تمثل جماعة أنصار الله (الحوثيين) أحد أبرز اللاعبين في المشهد العسكري والسياسي،حيث تمكنت خلال السنوات الماضية من ترسيخ حضورها في مناطق واسعة من البلاد،لكن موقع الجماعة في قلب التوازنات الإقليمية يجعلها أيضا جزءا من المعادلة الأوسع المرتبطة بالصراع بين إيران وخصومها في المنطقة.
ويرى محللون أن أي تصعيد إضافي في نشاط الجماعة على المستوى الإقليمي قد يؤدي إلى ردود فعل دولية أو إقليمية، خاصة إذا اعتُبر أن تلك التحركات تؤثر على أمن الملاحة أو الاستقرار في المنطقة،وفي المقابل، تؤكد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا برئاسة رشاد العليمي على ضرورة استعادة مؤسسات الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بيد السلطة الشرعية، معتبرة أن تعدد مراكز القرار العسكري يمثل أحد أبرز التحديات أمام تحقيق الاستقرار في البلاد.
ويرى بعض المراقبين أن التطورات الإقليمية قد يكون لها تأثير مباشر على مسار الصراع في اليمن،خاصة إذا تحولت البلاد إلى إحدى ساحات المواجهة غير المباشرة بين القوى الإقليمية،وان الضربة القادمة للجماعة مؤكدة خاصة مع التطورات الأخيرة وتصريح مسؤول بالجيش الإسرائيلي أن أعين الجيش الإسرائيلي مفتوحه على الحوثيين،وأن قدراتهم مازالت قائمة.
توازنات معقدة وتحالفات سياسية في مواجهة الضغوط
في سوريا، لعبت إيران دورا محوريا في دعم الحكومة السورية خلال سنوات الحرب، حيث ساهمت في بناء شبكة من التحالفات العسكرية والسياسية داخل البلاد،غير أن هذا الوجود يواجه منذ سنوات ضغوطا متواصلة،خصوصاً مع الضربات العسكرية المتكررة التي تستهدف مواقع مرتبطة بإيران داخل الأراضي السورية.
وفي موازاة ذلك، تبرز تحركات سياسية إقليمية ودولية تحاول إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة،ومن بين هذه التحركات بروز مواقف سياسية من بعض الدول التي تعلن معارضتها للسياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة،من بينها الجزائر التي تؤكد في خطابها الدبلوماسي دعمها للقضايا العربية ورفضها للسياسات التي تعتبرها مهددة للاستقرار الإقليمي.
كما تعود إلى الواجهة أيضاً التفاهمات الإقليمية التي سعت إلى تخفيف التوتر بين القوى الكبرى في المنطقة، وعلى رأسها الاتفاق الذي جرى برعاية بكين بين السعودية وإيران عام 2023، والذي اعتبر حينها خطوة مهمة نحو تهدئة التوترات في الشرق الأوسط.
غير أن التصعيد الإقليمي الحالي يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا المسار الدبلوماسي، وما إذا كانت تلك التفاهمات قادرة على الصمود في ظل الأزمات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة.
وتشير التطورات الراهنة إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل في موازين النفوذ الإقليمي،فبين الضغوط العسكرية والتحولات السياسية الداخلية في عدة دول،تواجه شبكة النفوذ الإيرانية تحديات متزايدة قد تدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الإقليمية.
في الوقت نفسه، تبقى المنطقة مفتوحة على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار التصعيد العسكري أو العودة إلى مسارات التهدئة السياسية،في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية وتعقيد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط.