انطلقت في العاصمة العمانية جولة من المفاوضات التي تُصنف بأنها الأكثر تعقيداً في تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية، حيث تدير سلطنة عمان وساطة مكوكية تهدف إلى جسر الهوة السحيقة بين طموحات واشنطن وهواجس طهران.
هذه الجولة لا تُعقد في غرف مغلقة فحسب، بل تحت ظلال تصعيد عسكري غير مسبوق في الممرات المائية والمجالات الجوية للمنطقة، مما جعل من مسقط “غرفة إنعاش” أخيرة للحلول السلمية.
مسارات التفاوض والقضايا الشائكة
تتمحور النقاشات السردية في أروقة مسقط حول أربعة محاور متداخلة يرى كل طرف فيها زاوية مختلفة تماماً.
في الملف النووي، تبدو الفجوة واضحة حيث تتمسك طهران بحقها في التخصيب كجزء من أمنها القومي وسيادتها التقنية، رافضةً العودة لمبدأ “التخصيب الصفر”، بينما يصر الوفد الأمريكي بقيادة ستيف ويتكوف على وضع قيود أبدية تضمن عدم تحول البرنامج النووي إلى صبغة عسكرية، معتبرين أن الاتفاقيات السابقة لم تعد كافية لضمان أمن المنطقة.
أما في ملف القدرات العسكرية، فتصطدم الرغبة الأمريكية في إدراج الترسانة الصاروخية والمسيرات ضمن أي اتفاق قادم بالرفض الإيراني القاطع، حيث تصف طهران منظومتها الصاروخية بأنها “خط أحمر” وقوة ردع غير قابلة للنقاش. ويتصل هذا الملف بشكل عضوي بملف النفوذ الإقليمي، حيث تضغط واشنطن لتقويض الدعم الإيراني للفصائل المسلحة في المنطقة كشرط أساسي للاستقرار، في حين ترفض إيران مناقشة هذا الدور، معتبرة إياه جزءاً من توازنات القوى التي لا تملك أمريكا حق تغييرها عبر المفاوضات النووية.
الاقتصاد مقابل الأمن
يشكل ملف العقوبات المحرك الأساسي للجانب الإيراني؛ إذ يطالب المفاوضون الإيرانيون برفع فوري وشامل لكافة القيود الاقتصادية التي خنقت الاقتصاد المحلي وأدت لاضطرابات اجتماعية.
وفي المقابل، تتبنى الإدارة الأمريكية استراتيجية “الخطوة مقابل الخطوة”، حيث ترفض تقديم إعفاءات اقتصادية كبرى قبل رؤية تنازلات ملموسة وشفافة في المواقع النووية الحساسة، مما يجعل المفاوضات تدور في حلقة مفرغة من “من يبدأ أولاً؟”.
الرسائل المتوازية
لم تخلُ أجواء مسقط من الرسائل غير المباشرة,فبينما كان الدبلوماسيون يتحدثون، كانت طهران تستعرض قوتها الصاروخية، وواشنطن تلوح بخياراتها العسكرية وتُصدر تحذيرات لمواطنيها.
هذا التناقض بين لغة الحوار ولغة القوة يعكس حجم انعدام الثقة المتراكم منذ عقود. الوسيط العماني، من جانبه، يحاول التركيز على “نقاط الالتقاء الدنيا” لضمان عدم انهيار الجلسات، معتمداً على سياسة النفس الطويل التي ميزت الدبلوماسية العمانية تاريخياً.
التحديات والسيناريوهات المتوقعة
تواجه مفاوضات مسقط عوائق هيكلية قد تؤدي إلى تعثرها، منها:
عدم الثقة: الذاكرة المثقلة باتفاقيات منقوضة ومواجهات عسكرية تجعل بناء الثقة عملية معقدة.
سقف المطالب العالي: تمسك واشنطن بمبدأ “الاتفاق الأوسع والأقوى” الذي يشمل المسيرات والصواريخ، يقابله تمسك طهران بالملف النووي فقط.
الضغوط الإقليمية: ترقب إسرائيلي ودولي لنتائج المحادثات، حيث يخشى البعض من اتفاق “تهدئة مؤقت” لا يعالج جذور الأزمة.
أصدرت الخارجية الأمريكية تحذيراً لمواطنيها بمغادرة إيران، ما يعكس أن خيار التصعيد لا يزال قائماً بقوة إذا لم تسفر جولات مسقط عن خرق حقيقي.
تمثل جولة مسقط 2026 اختباراً حقيقياً للدبلوماسية في عهد ترامب والقيادة الإيرانية الحالية. نجاحها قد يعني بداية عصر جديد من الاستقرار الإقليمي، وفشلها قد يفتح الباب أمام مواجهة عسكرية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.