في مشهد تاريخي يجسد تلاقي المصالح الاستراتيجية الكبرى في حوض البحر المتوسط، احتضنت القاهرة أمس أعمال “الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى” بين جمهورية مصر العربية والجمهورية التركية.
هذا اللقاء، الذي ترأسه قادة البلدين، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كان بمثابة “إعلان سيادي” عن تدشين مرحلة جديدة من الاندماج الشامل، استكمالاً للمسار الذي انطلق في أنقرة في الرابع من سبتمبر 2024 بإنشاء هذا المجلس الرفيع.
وتأتي قمة القاهرة اليوم لتضع حجر الأساس لنظام تعاوني إقليمي يهدف إلى تحويل التوافق السياسي إلى مكاسب اقتصادية وأمنية ملموسة تعيد رسم خارطة القوى في المنطقة.
من التبادل التقليدي إلى عتبة الـ 15 مليار دولار
تصدّر الملف الاقتصادي عناوين القمة، حيث كشف البيان الختامي عن طموح غير مسبوق لكسر قيود التبادل التجاري التقليدي والارتقاء به إلى آفاق أوسع. فبينما يبلغ حجم التبادل التجاري الحالي نحو 9 مليارات دولار، أعلن الجانبان رسمياً عن خطة عمل تنفيذية تستهدف رفع هذا الرقم إلى 15 مليار دولار أو أكثر خلال المرحلة المقبلة.
ولتحقيق هذه القفزة، ركزت القمة على محورين أساسيين؛ الأول هو الاتفاق على مواصلة تحسين بيئة الاستثمار في كلا البلدين لتسهيل تدفق رؤوس الأموال وتذليل العقبات البيروقراطية أمام الشركات الكبرى.
والثاني هو التحول نحو تعزيز التعاون الصناعي والتصنيع المشترك في القطاعات ذات الأولوية، وهو توجه يهدف إلى دمج الخبرات التقنية التركية مع المقومات الإنتاجية والموقع الاستراتيجي المصري، لخلق سلع “مصرية-تركية” قادرة على اكتساح الأسواق الأفريقية والأوروبية، مما يعزز من القوة التنافسية للاقتصادين الوطنيين.
الطاقة والزراعة في قلب الاستراتيجية المشتركة
في ظل التحديات التي تفرضها أزمات الطاقة والغذاء العالمية، وضعت قمة القاهرة “خارطة طريق سيادية” ترتكز على قطاعين يمثلان عصب الأمن القومي للبلدين:
-
الطاقة والربط الكهربائي: شهدت القمة اتفاقاً جوهرياً على تعزيز التعاون في مجالي الكهرباء والطاقة المتجددة.
-
لم يقتصر الحديث على مجرد تبادل الطاقة، بل امتد ليشمل بحث مشروعات الربط الكهربائي وتطوير تقنيات الطاقة الخضراء، مما يضع القاهرة وأنقرة كـ “مركز ثقل” لتداول الطاقة النظيفة نحو القارة الأوروبية، وهو ما يمنحهما ثقلاً جيوسياسياً هائلاً في معادلة أمن الطاقة الدولي المستقبلي.
-
الزراعة كركيزة استراتيجية: أكدت مخرجات الاجتماع على أن التعاون الزراعي يمثل “ركيزة أساسية من ركائز الشراكة الاستراتيجية”.
-
هذا التوجه يهدف إلى تبادل الخبرات في تكنولوجيا الزراعة الحديثة واستصلاح الأراضي، لضمان الاكتفاء الذاتي وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي بعيداً عن تقلبات الأسواق الدولية، مما يجعل من “الأمن الغذائي” درعاً يحمي القرار الوطني المستقل للبلدين.
جبهة موحدة للاستقرار وبناء العقول
غاصت القمة في عمق الملفات الأمنية والاجتماعية التي تمس استقرار المنطقة، بعيداً عن مجرد المصالح الاقتصادية الآنية:
-
مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل: في خطوة تعكس الرؤية المشتركة للأمن القومي، شدد الطرفان على ضرورة معالجة معضلة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.
-
هذا التنسيق الأمني يعكس رغبة القاهرة وأنقرة في حماية العمق الاستراتيجي للقارة السمراء، وضمان استقرار الممرات التجارية الدولية، مما يرسخ دورهما كلاعبيْن أساسيين في صياغة منظومة الأمن الإقليمي.
-
الاستثمار في العقول (التعليم العالي): لضمان استدامة هذه الشراكة عبر الأجيال، اتفق الجانبان على مواصلة التعاون الثنائي في مجال التعليم العالي.
-
ويشمل ذلك تعزيز المنح الدراسية وتبادل البعثات الأكاديمية والاعتراف المتبادل بالشهادات، وهو ما يضمن بناء جيل من الخبراء والباحثين القادرين على إدارة هذه المنظومة الاستراتيجية المعقدة في المستقبل، وتعزيز القوة الناعمة للبلدين.
ميزان قوى جديد في المتوسط
قمة القاهرة 2026، ومن خلال مخرجات مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، تثبت أن المصالح القومية العليا هي البوصلة الوحيدة التي توجه سياسات البلدين في العصر الراهن.
الانتقال من حجم تجارة بـ 9 مليارات دولار إلى مستهدفات الـ 15 ملياراً، مدعوماً بتوافق في ملفات الطاقة والزراعة والأمن، يضع مصر وتركيا في صدارة القوى التي ترسم ملامح النظام الإقليمي الجديد، ويؤكد أن “التحالف بين النيل والبوغاز” بات اليوم يمثل صمام الأمان الأهم للاستقرار والازدهار في شرق المتوسط.