في ظل تصاعد النزاع في السودان وتعقّد المشهدين العسكري والسياسي، تتزايد التحذيرات الدولية من تنامي نفوذ التيارات الإسلامية وخاصة الإخوان داخل الجيش، وما يرافق ذلك من تداعيات على فرص إنهاء النزاع.
وفي هذا السياق، دعا تقرير لمجلة «ناشيونال إنترست» إلى تحرك أمريكي أكثر حزمًا، معتبرًا أن كبح هذا التغلغل داخل المؤسسة العسكرية بات شرطًا أساسيًا لنجاح أي مسار سلام مستدام، في ظل استمرار الانتهاكات وتعثر الجهود الدبلوماسية.
انتكاسات ميدانية وتزايد الاعتماد على الإسلاميين
وأشار التقرير إلى أنه مع مواجهة القوات المسلحة السودانية انتكاسات في ساحة المعركة خلال الحرب الأهلية، لجأت بشكل متزايد إلى الإسلاميين لتعزيز نفوذها، وهو ما انعكس—بحسب التقرير—في تصاعد الانتهاكات وتدهور الأوضاع الإنسانية.
في منتصف مارس، صنّفت الولايات المتحدة جماعة الإخوان السودانية وجناحها المسلح، «كتيبة البراء بن مالك»، كمنظمات إرهابية عالمية.
وقد بدأت الحملة على هذه الجماعات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني بعد وقت قصير من الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، غير أن هذا التصنيف عكس أيضًا إدراكًا واضحًا في واشنطن للتهديد المتزايد الذي تمثله هذه الجهات للسلام في السودان، وللاستقرار الإقليمي، ولمصالح الولايات المتحدة.
ووفقًا لتقرير «ناشيونال إنترست»، أصبح النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع واحدة من أكثر النزاعات تدميرًا في العالم، إذ خلّفت عواقب كارثية على السكان المحليين، شملت المجاعة والهجرة القسرية وأشكالًا متعددة من الانتهاكات.
وأشار التقرير إلى أن المجتمع الدولي ترك الطرفين إلى حد كبير دون مساءلة، في وقت ازدادت فيه جرأة جماعة الإخوان السودانية المرتبطة بالقوات المسلحة في ارتكاب جرائم حرب، بينما بدأت الولايات المتحدة عملية سلام شاقة العام الماضي، إلا أن نجاحها يتطلب خطوات إضافية كبيرة.
اختراق الإخوان للجيش وقياداته
يشير التقرير إلى أن غياب توجيه أكثر حزمًا من الولايات المتحدة وغيرها شجّع القوات المسلحة السودانية على تصعيد جرائم الحرب، حيث أدى الهجوم على مستشفى الضعين التعليمي إلى مقتل 70 شخصًا وخروج المنشأة عن الخدمة. كما هزّ اغتيال الزعيم المدني أسامة حسن حسين البلاد، دون محاسبة لأكثر من شهر.
وعلى الرغم من صلتها المعروفة بجماعة الإخوان المسلمين السودانية، لم تبذل القوات المسلحة السودانية جهدًا يُذكر لنفي تصنيفها كجهة مرتبطة بالإرهاب. بل على العكس، قام الفريق عبد الفتاح البرهان بتعيين ياسر العطا، وهو مؤيد لكتيبة البراء بن مالك، رئيسًا للأركان في الجيش.
وقد دعا العطا إلى دمج فصائل الجماعة داخل المؤسسة العسكرية، وسُجّل وهو يهتف بشعارات الإخوان المسلمين، ما يعكس—وفق التقرير—تغلغلًا متزايدًا للأيديولوجيا المتطرفة داخل القوات المسلحة، ويعيق جهود الإصلاح والسلام، ويعزز الروابط المباشرة بين الجيش والأنشطة الإرهابية.
كما أشار التقرير إلى أن العديد من القادة الحاليين يرتبطون بجماعة الإخوان المسلمين السودانية، بينما يتكون جهاز المخابرات العامة السوداني حصريًا من ضباط إسلاميين، في مؤشر على هيمنة هذا التيار داخل المؤسسات الأمنية.
تصعيد الانتهاكات ودعوات لاستخدام أسلحة غير تقليدية
ومع تعرض القوات المسلحة السودانية لانتكاسات ميدانية أمام قوات الدعم السريع، خضعت لإعادة هيكلة واسعة في محاولة لاستعادة موقع متقدم، إلا أن هذه العملية عززت ارتباط القيادات الحالية بجماعة الإخوان المسلمين.
وخارج الإطار العسكري المباشر، دعا القيادي بالجماعة، حاج ماجد سوار، القوات المسلحة إلى استخدام وسائل «أكثر فتكًا»، في إشارة إلى الموافقة على استخدام أسلحة كيميائية وغير تقليدية ضد الخصوم. وقد كرر ياسر العطا هذا الموقف.
وأشار التقرير إلى أن القوات المسلحة السودانية ليست غريبة عن استخدام الأسلحة الكيميائية، إذ لديها تاريخ في استخدامها خلال حكم عمر البشير، كما استخدمت براميل غاز الكلور ضد قوات الدعم السريع مؤخرًا في عام 2024.
ويؤكد التقرير أن الاستخدام العلني للأسلحة الكيميائية يقوض جهود السلام ويحدّ من قدرة الولايات المتحدة على إرساء الأسس اللازمة لحل سياسي.
تعقيد مسار السلام وتزايد التطرف
يرى التقرير أن العقوبات الأمريكية على جماعة الإخوان المسلمين السودانية لا تزال محدودة وغير فعالة، ويمكن توسيعها لتشمل قادة داخل القوات المسلحة ثبت ارتباطهم بالجماعة، بالتوازي مع جهود إقليمية ودولية لبناء السلام.
كما يشير إلى أن تنامي التطرف داخل المؤسسة العسكرية يعرقل فرص التوصل إلى تسوية، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي، في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية.
ما المطلوب من واشنطن؟
وأكد التقرير أن السلام في السودان لا يزال ممكنًا، لكنه يتطلب جهدًا أمريكيًا أكثر شمولًا، وتنسيقًا متعدد الأطراف لتعطيل سلاسل إمداد الجماعات المرتبطة بالإخوان، وتعزيز الأصوات الأكثر اعتدالًا داخل البلاد.
وفي ظل استمرار النزاع، حذر التقرير من أن السودان قد يتحول إلى ساحة جديدة لترسيخ وجود الجماعات المسلحة المرتبطة بالإسلاميين والشبكات المرتبطة بإيران، ما يهدد الاستقرار الإقليمي، خاصة مع تداعيات الحرب على دول الجوار مثل ليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا، وتهديد طرق الشحن في البحر الأحمر.